إعتدت أنا وإبنتي صبا منذ عدة أشهر أن نزور إحدى مواقف السيارات الفارغة صباحاً قبل الذهاب الى المدرسة بغرض إطعام الحمام. فكما يكتظ ذلك الموقف بالمتسوقين من البشر مساءً، تكاد لا ترى مكاناً تقف فيه صباحاً من متسوقي الحمام الذين غدوا من أعشاشهم خماصاً ليعودوا إليها بطاناً. لكننا، أنا وصبا، لسنا الوحيدين، فقد سخر الله لتلك الحمامات رزقاً من حيث لا يعلمون. فهناك من تخصص بوضع آنيات بلاستيكية على حافة الرصيف، ليأتي ويملأها بالماء في كل فجر. وهناك من يجمع ما فاض من نعم أهل بيته ليلاً فيجمعه ويطعمه للطيور وهو في طريقه إلى عمله. تسخير رباني نابع من توكل تلك الحمامات التام على ربها ليرزقها، سبحانه ما أكرمه.

الحمام يعيش في سلام داخلي تام، وفي حالة تأمل دائمة، لا يفتئ يكرر هديله دون كلل أو ملل، كعباد الهيمالايا الذين يكررون “مانترات” ليصلوا إلى معنى الروح. إن راقبته لفترة لرأيت العجب العجاب، ولبدأت بفهم بعضٍ من لغته وحركاته شيئاً فشيئاً. فالرقصات التي تكررها ذكورها وهي تدور في دوائر لغرض الإستعراض لجذب إنتباه الإناث الحييات، الاتي يتصنعن بالثقل البرئ وكأن لسان حالهن يقول “موافئه يا بابا موافئة!”. أو حركة نفشة الريش التي تقوم بها حين تشعر بتهديد قادم، كقط جائع يتربص بها أو سيارة قادمة عن بعد حتى تأخذ كل من في المجموعة حذرها. سبحانك من خالق ما أعظمك!

IMG_20130219_081900

إلا أن ما جذب إنتباهي من بين كل ما ذكرت، هو وجه الشبه بيننا وبين الحمام! لا، لا أقصد الطيران أو الأكل والشرب أو حتى المغازلة! بل ما أقصده هو قابلية البرمجة! فما لاحظته أن الحمام يتبرمج ويتكيف مع أخلاقيات الشعوب، وما هو إلا إنعكاس لما في داخل كل واحد منا.

لا زلت أذكر حين سافرت أنا وزوجتي لقضاء شهر العسل في إحدى بلاد أوروبا مرورنا بإحدى الساحات التي تمتلئ بالحمام الذين (ولشدة إستغرابي حينها) لا يهربون من البشر! بل إن لديهم الجرأة الكافية ليتقربوا منهم لدرجة أنهم يأكلون من أيديهم ولا يمانعون من أن يُربت عليهم كحيوان منزلي أليف أو حتى أن تحمله وتضعهم على كتفك كقرصان عاد للتو من رحلة بحرية غنم منها ما غنم. لكن إستغرابي زال حين لمحت عائلة عربية معهم طفل صغير في الثالثة أو الرابعة من عمره، يركض صارخاً نحو الحمام ليخيفهم، ليفاجئ أن مخططه لن ينجح هنا، وليعود لأهله وقد غطت وجهه علامات خيبة الأمل، والحمام ينظر إلى بعضه البعض بإستغراب ودون حراك، كأنه يقول: “سلامات يا أبو الشباب، وش تحس فيه؟!” وأخريات تفهمن الوضع وهن يهدلن لبعضهن البعض “عادي لا تاخذوا عليه، شكله جديد هنا!” (طبعاً كل ذلك بالإيطالي، بس هذي مجرد ترجمة.)

حين خلق الله الكائنات، ونحن منهم، خلقهم بحب تام لكل ما هو موجود، إلا أننا إستبدلنا ذلك الحب بالخوف، لنخاف ونخيف كل من حولنا! وأطلقنا عليه مسميات وعبارات نعلل لأنفسنا وأطفالنا أفعالنا الشنيعة:

“لااااا ولدي ما بيخوف الحمام، بس بيلعب معاهم بالحجار والنبله!”

“ترى مو قصده يخوفهم، هو بس بيلعب معاهم طيرة!”

أما كبارنا فلسان حالهم يقول: “يا عمي لا تسويلي فيها حقوق الحيوان، أصلاً الحمام ما ينفع إلا محشي!”

إلا أنني أكاد أجزم أن الأوربيين أيضاً يأكلون الحمام المحشي، بل ويأكلون الخرفان والبقر والدجاج و الأرانب وكائنات أخرى أغرب مما إعتدنا على أكله. إلا أنهم لا يتعاملون معهم بقانون الغاب وهم أحياء.

سبب تقرب الحمام وعدم خوفه منهم، ما هو إلا إنعكاس لما في داخلهم من حب، وسبب هروب الحمام ووجله منا، ما هو إلا إنعكاس لما في داخلنا من خوف.

في المرة التالية التي ترى فيها حمام (أو أي حيوان أليف) على الكورنيش، أو على حافة الطريق أو في موقف سيارات، راقب فعلك وفعل من حولك من الأطفال والكبار. لأن ما سيصدر منهم من تصرف “حمائمي” ما هو إلا إنعكاس لما في ذلك الشخص حتى وإن لم يتفوه به…

وصدق من قال: من حمامهم… ستعرف أخلاقهم!

دمتم بحب

تابعني هنا – Follow me here

Advertisements