وأتت اللحظة التي طالما خشينا قدومها!

“سريانا ماد حليم”، أو “يانا” كما تفضل أن نناديها، قررت أخذ إجازة لمدة ثلاثة أشهر بعد ثلاث سنوات من الخدمة معنا… جائت إلى المملكة بحثاً عن لقمة العيش، لتطعم إبنها الذي تركته وهو إبن سنة، لتعود له وقد فات عليها أن تعيش أجمل سنوات طفلها الأولى… ولتكتشف أن زوجها الذي كانت تبادر بتحويل جل راتبها له شهراً بشهر، قد مل من الإنتظار واستبدلها بأخرى، رامياً فلذة كبده في حضن أختها…

“هادا ريزال كاربان!” كانت إجابتها حينما سألتها عن سبب تركه لها… لكنها سرعان ما تجاوزت الطعنة التي سددها في ظهرها بسكين إبتاعه من حر مالها وعرق جبينها لتركز على تربية إبنها وتنشئته كي لا يكون مثل أبوه… قصة مأساوية قد تتكرر مئات المرات في منازلنا دون أن نعلم بها، وأظن أن ذلك بسبب تعالمنا مع من يعملون لدينا على أنهم “روبوتات” تحت إمرتنا يخدموننا متى شئنا بدلاً من كونهم بشراً لهم أحاسيس ومشاعر… وحياة!

“يانا” التي أتعجب من تفانيها في العمل، وحبها له، ونشاطها العجييب الذي لا أستطيع فهمه حتى اليوم بالرغم من مضي ثلاث سنوات على مكوثها عندنا، هي من النوع الذي “تنبش” عن عمل في وقت فراغها بدلاً من أخذ قسط للراحة فيه (ماشاء الله)… بالرغم من ذلك كله، فإن والدتي حفظها الله، لا أذكر أنها تركتها ولا ليوم واحد تنجز كل شئ وحدها… فسياستها التي نسير عليها حتى اليوم أنها هنا لتساعدنا لا لتخدمنا، فأصبحنا نبادر بتنفيذ بعض الأعمال المنزلية (البسيطة) معها ككنس البيت بين الحين و الآخر، ونقل الأكل من وإلى طاولة الطعام، وإعادة الصحون الملطخة بالدهون وبقايا الأكل… نعم كنا نساعدها … أو على الأقل هذا ما كنت أظنه … حتى رحلت!

بعد رحيلها بدأنا بوضع الخطط والتكتيكات لنبقي الوضع كما هو عليه… “فالطبيخ والنفيخ” مسؤولية والدتي وزوجتي، ليس لسبب بعينة إنما لأنني لا أفقه شيئاً في الطعام غير أكله! أما غسيل الصحون فهو مهمتي أنا وصبا… بسيطة صح؟!… “بس ما تستبسطهاش!”

لم أكن أتوقع أنها تستغرق ربع ساعة على الأقل… (وضع خطين تحت “على الأقل”) ظناً مني أنها “عااادي…كلها صحنين وملعقتين” على صيغة التقليل… لكنني أكتشفت أنها أربعة صحون وسبعة ملاعق بشوكهن وسكاكينهن، وأربعة قدور بدهونها، وخمسة أكواب … وأسطح المطبخ والفرن وطاولة الطعام بعد إتساخهم بالزيت “المطشطش” والأكل الذي يسقط ثلاثة أرباعه مع كل لقمة تلتهمها صبا… أرجوك ما تستبسطهاش!

مهمة غسل الصحون ليست بالسهولة التي توقعت، لكنها حتماً ممتعة إن قررنا أن نعيشها كذلك… فلعبة الصابون والماء التي تنتهي بغسل الصحون مع ملابسنا أنا وصبا، أصبحت أشبه بتسلية يومية نتوق إليها… “لغوصة وطرطشة” والكثير من الماء المهدر في سبيل مهمة محاربة الدهون المستحيلة!

هي مهمة يجب علينا إنجازها كل يوم، وإن تكاسلنا يوماً عنها لواجهنا مشكلتين:

الأولى: تراكم الأطباق المتسخة التي يزيد تمسك “الزفر” عليها مع كل يوم يمضي، مما يصعب تنظيفها أكثر فأكثر…

والثانية: أننا لن نجد أدوات أخرى نستمتع بأكل ما لذ وطاب بها…

هكذا هي أيامنا… إن لم نعشها “صحناً بصحنه” … بحلوها ومرها… وملحها الزائد… أو الناقص… وزيتها الذي قد يقطر أحيانا من لقيماتها ليثقل علينا “هضم” ساعاتنا… إن لم نعشها كذلك، بتركيز على اللحظة التي أمامنا لننظف ما فيها ونتعامل معها في وقتها…  لأثقلت كواهلنا وزادت همومنا، لتحرمنا من تذوق ما لذ وطاب من لحظات حياتنا ومشاركتها مع من نحب…

كل منا يحتاج إلى تنظيف صحونه بنفسه، تاركاً ورائه الماضي، موكلاً لربه المستقبل، ومقبلاً على لحظته بكل أحاسيسه، ليعيشها بكل مافيها من “لغوصة وطرطشة” مع أهله وأحبته… ولا مانع من أن يطلب المساعدة، بين الحين والآخر، من “يانا ــته” أياً كانت… ذكراً أم أنثى… لتعينه وتخفف عنه حمل الأيام…

تابعني هنا – Follow me here

Advertisements