“فلها وربك يحلها”

“اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”

ما سبق مقولات نستخدمها في حياتنا اليومية بتهكم دون أني نتأمل معانيها… أهي صواب، أم خطأ؟ وهل هناك إستدلالات عليها من ديننا الحنيف الكامل الذي أكمله الله تعالى لنا حين قال لنا: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”

يا ترى من كان قائلوها وفي أي مقام قيلت… وهل كانوا يتحدثون من قلوبهم أو من عقولهم؟

تمر علينا مواقف لا ندري كيف نتصرف فيها… نحتار بين إختيار الطريق الذي يأخذنا من وإلى العمل، أو الوجبة التي نشتهيها أو لا نشتهيها… ناسين أن الأقلام قد رفعت والصحف جفت لكل الخيارات التي نريد… وأن ديناميكية القدر الذي سخره المولى القدير لنا قد حددت منذ الخلق الأول…

فنقول: “أنا بدل ما أوكل محامي حوكل الله” فجعلنا الله بديلاً للمحامي… خط دفاع ثانوي لا أساسي!

أو نحسبن ونحن مظلومين… “حسبي الله ونعم الوكيل، الله على الظالم، الله ياخذلي حقي منك”

وحين لا نحصل على ما نريد، نستخدم أول مخرج للهروب… وهو لوم الآخر، فنقول متذمرين: “ياخي موغلطتي والله، إحنا متوكلين بس الله ما يستجيب”!

لكن السؤال المهم هنا هو: متى يقع التوكل ومتى لا يقع… وهل هناك معادلة له ليعمل في حياتنا بكفائة عالية؟

Surrender

بالمثال يتضح المقال: هب أن أحداً ظلمك بأخذ أرض أو قرض أو عرض من أعراض الدنيا منك بغير حق… فرفعت شكواك إلى الله… والمعروف أن “للمظلوم دعوة لا ترد أبداً”

لكن لو كان الظلم واقعاً من النفس بسبب إختيار خاطئ… “وما ظلمناهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون” ثم وكل الله بجوارحه لا بقلبه، لغرض “التشفي” منه… فحتماً لن يقع التوكل… لأن الله هو العدل سبحانه

نخطئ إن أسمينا توكل التشفي توكلاً… لأن مجرد رغبتك في التشفي من الآخر، هي في حد ذاتها توكل على غير الله… لتعلقك بما تظن أنه قد سرق أو ضاع منك… وما ننساه: أنه مهما سرق السارق فلن يستطيع أن يستزيد على رزقه إلا بشئ قد كتبه الله له… ومهما سُرق منك … فلن يستطيع أن ينقص ذلك من رزقك إلا بشيئ قد كتبه الله عليك

 أما إن كان الظلم واقعاً من شخص على آخر… ثم رمى المظلوم أحماله على الله… وتوكل عليه بغرض التوكل الحق… لا لمجرد أخذ الحق… خرج من حال التشفي… إلى حال الشفاء…. وهي أرفع درجات التوكل…

توكل الشفاء، هو علم يقين بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك.. وما أخطأك لم يكن ليصيبك…

فيشفى القلب… ويرتاح العقل من التفكير في الإحتمالات التي قد تكون… وقد لا تكون… وتطمئن الروح بتوكلها على الله… فتكون مع الله… مؤمنة بأن مع كل عسر يسران “إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسراً”… لاحظوا أن الكريم سبحانه لم يقل إن مع اليسر عسراً .. ولا إن مع عسر يسراً.. فعرف العسر ليجعله واحداً صغيراً لا يرى ولا حتى من خلال العين المجردة… ونكر اليسر دلالة على الكثرة وكبر الحجم… فأصبح في كل بطن يسر كبير… عسرٌ صغير… كالبذور في حبة تفاح… إن قضمتها خطئاً … ليس عليك إلا أن تتفلها عن شمالك…

إذا ما هي معادلة التوكل؟

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح))

معادلة نعلمها تمام العلم… ونعمل بها تمام العمل… لكن ما يبقى لكي تعمل معنا ليس مجرد العلم والعمل… بل يبقى أن نكون تلك المعادلة… وإن كناها…

ففلها وربك يحلها… واصرف ما في الجيب، وحتماً سيأتيك مافي الغيب!

تابعني هنا – Follow me here

Advertisements