إستمع للتدوينة صوتياً “هنا

بعد أن إنتهيت من رياضة الهرولة في ممشى كورنيش جدة، توجهت إلى البيت وأنا أتصبب عرقاً، وفور وصولي قلت في نفسي: “طالما أنها خاربة… خلينا نعميها! فقررت أن أغسل سيارتي”. وقبل أن أتكاسل وجدت نفسي أكمل رياضتي على السيارة، تناولت سطلاً وفرشاة وبعضاً من الصابون وبدأت أفرك سيارتي التي أثقل كاهلها غبار الزمان… إلتفت يميناً فإذا بسائق الجيران “الكيرلاوي” بوجهه الباسم يتجه نحوي ماداً يده ليصافحني… تركت الفرشاة وبادلته الإبتسامة وصافحتة متأسفاً لبلل يدي…

قال لي بلغته العربية الركيكة التي وضحت لي أنه حديث عهد بالسعودية: “سير أنا كلين”، رفضت معللاً أنني أود تنظيفها بنفسي…

كرر قائلاً “آي كلين، كار تو متش ديرتي”… حاولت إقناعه أنني مستمع بما أفعله… لكنه فاجأني بقوله… “إنتا مدير.. أنا ليبور” أي عامل باللغة الإنجليزية… تبسمت وضممت سبابتي إلي بعضهما البعض قائلاً “ليبور ومدير، ومدير وليبوور سيم سيم كله بشر”

تبسم إلي … فبادرته بسؤال عن موطنه… فأجابني أنه من الهند… فكرت في عبارة أرد بها عليه لأغير مزاجه وأغير صورته عنا… فقلت “إنديا بيست بيبول”… تبسم وشكرني والفرحة تغمر وجهه ولولا سمرة وجهه لأقسمت أن وجنتيه إحمرتا…

تأملت بعد أن رحل عن العبودية التي نصنعها بتعاملنا مع من نظن أنهم أقل منا شأناً… ترددت عبارته مرة أخرى في ذهني … “أنت مدير وأنا عامل”… من الذي صنع هذه الطبيقية التي نحتقر بها من سوانا  ونستعبدهم … وتحرمنا حتى من الإستمتاع بأبسط الأشياء في حياتنا … غسيل سيارتنا أو تنظيف أحواش منازلنا ليلة العيد… هي عادة ماتت كان والدي رحمه الله يمارسها بكل سعادة ومتعه… مالذي حصل لكل هذه العادات… أتذكر والدي وهو يسقي زروع بيتنا في بزوغ الفجر قبل أن يأخذني إلى المدرسة… وعندما يأتي لأخذي أنتظره بفارغ الصبر كي أحكي له عن يومي… كان يستمع لي بكل حب وإنصات… دون كلل أو ملل… ويتجاوب معي بسؤالي عن تفاصيل يومي…

لكن هذا الحال تغير، حتى مع نصفنا الآخر… فمعظم الأمهات أصبحن موظفات، ولا شئ في ذلك، إلا أنهن يحرمن أنفسهن متعة كبيرة بإعتمادهن على الخادمات لصنع وجبة الغداء والعشاء لأطفالهم الجائعين بعد رجوعهم من المدرسة… الوجبة التي قد تحوي الكثير من الطعام والفيتامينات لكنها تخلو من الحب… ليتناولوها أمام التفاز دون حوار أو حتى وعي بما فيها أو بطعمها…

يوصلهم السائقون إلى  المدارس صباحاً… و ينتظرونهم ظهراً … وأتخيل أنهم في طريق العودة إلى المنزل يحاولون بحماسة ترجمة  أحداث يومهم الشيق للسائق أو الخادمة بلغة مكسرة… يالله كم نضيع على أنفسنا من أوقات جميلة ولحظات لا تعوض…

قد أصبحنا نجري خلف أحلام وطموحات… تاركين ورائنا الحياة التي وظفنا غيرنا ليعيشها بدلاً منها… كل لحظة تمضي علينا لن تعود… هي مقدسة في تفاصيلها … بحلوها ومرها… حتى الندم عليها لن يفيدنا … طعمها الوحيد لا يكمن في مجرد الحديث عنها .. بل بعيشها لحظة بلحظة…

قد لا يكون غسيل السيارة أو تنظيف المنزل أو الطبخ أحد هواياتكم المفضلة… وقد تستعيضون عن فعلها بأنفسكم بآخرين يعملون لديكم… ولا بأس في ذلك… لكن ثمة لحظات لا نستطيع أن نسعيض عنها بأحد مهما كانت كفائتهم… لحظات تحتاج إلى حبنا وحنانا ووعينا… نفوتها على أنفسنا .. ونستأجر آخرين ليعيشوا عنا حياتنا…

يا ترى … من يعيش حياتك؟!

إستمع للتدوينة صوتياً “هنا

تابعني هنا – Follow me here

Advertisements